ساسي سالم الحاج
177
نقد الخطاب الاستشراقي
الخوف في قلوبهم وذلك بتجريد هذه السرايا ضد أعدائه الأصليين وهم قريش بينما كان يبتغي تخويفهم وإرهابهم حتى لا يبادروا إلى الاعتداء عليه . فإذا تركنا ذلك كله ، ورأينا تطور الدعوة الإسلامية بعد تنظيم أطرها ومؤسساتها ورجالها ورسوخ العقيدة في قلوب أتباعها ، فرض عليهم القتال وشاركوا فيه بحماس وإيمان شديدين وقد استوى في هذا الجهاد المهاجرون والأنصار على حدّ سواء ، تنافسوا فيه طوال حياة الرسول ثم بعد مماته حتى وصلت الإمبراطورية الإسلامية من الصين شرقا إلى فرنسا غربا . وهكذا تبلورت القبائل العربية الداخلة في الإسلام على هيئة دولة مبنيّة على المبادئ الدينية وهو ما يطلق عليه الغربيون بالدولة الأوتوقراطية . وقد ساعد على بنائها تلك المعارك الحربية التي خاضتها الجماعة الإسلامية في يثرب ضد أعدائها من قريش واليهود على حدّ سواء . ونحن لا نتعرّض في دراستنا هذه إلى تلك المعارك التي خاضها الرسول وأتباعه ضد قريش حتى تغلب نهائيّا عليها لأنه لا جديد فيها من وجهة نظر استشراقية . ولأن الموضوع ربما يطول حتى يخرج عن هدفه الأساسي وهو دراسة السيرة النبوية من وجهة نظر استشراقية لتلمّس الشبهات التي أوردوها عليها ثم التصدي لها ودحضها ومجادلتها بالدليل والبرهان العلميين . ومع ذلك فإننا سنتناول العلاقة بين اليهود والرسول لما أثير حول هذا الموضوع من شبهات يجب علينا الرد عليها وتفنيدها . وقبل أن نفعل ذلك علينا معالجة كيفية تطوّر الجماعة الإسلامية الأولى حتى أصبحت دولة ثم تحولت إلى أمة عظيمة . فهذا « مونتجمري وات » يحدد الفرق بين الأمة والقبيلة بحيث يرى أن الأولى تقوم على الدين وأن الثانية تقوم على القرابة . وقد اتسمت الأمة الإسلامية بالصبغة الدينية لأن الأنصار استقبلوا الرسول بصفته رسول اللّه ، وأنه يستمد أوامره ونواهيه من اللّه ولا يتصرّف فيها من تلقاء نفسه . ويرى « وات » أن تركيب الأمة المبني على الأسس الدينية ، والقائم على نظرية المجتمع الثيوقراطي ليست مستوحاة من العهد القديم ، بل هي من صنع عربي مستقل صيغت من بعض الأفكار الأساسية المستقاة من العهد القديم كفكرة اللّه ، والوحي ، والنبوّة . ولا تشبه الأمة إلّا قليلا الثيوقراطية الإسرائيلية أيام القضاة . وهي أقرب إلى الثيوقراطية أيام موسى . ويقدم القرآن صورة عن العلاقات بين النبي والأمة ، ونجد في هذه الصورة بشكل غامض نموذج العهد القديم ولكنه مصبوغ بالصبغة العربية الخالصة « 1 » .
--> ( 1 ) مونتجمري وات ، محمد في المدينة ، المرجع السابق ، ص 364 - 365 .